كتبت ماريا القُرشي:
كل عام، وقبل حلول شهر رمضان بأسابيع، تبدأ القنوات اليمنية في الترويج لأعمالها الدرامية؛ بوسترات، إعلانات، تشويقات، ووعود بأن هذا العام سيكون مختلفًا. ومع أول أيام الشهر، تبدأ الحلقات في النزول، ويجلس المشاهدون أمام شاشاتهم ينتظرون ما سيُعرض.
وبعد أيام قليلة، يبدأ الصوت الذي يتكرر كل عام: “نفس الحكاية”. هذا الصوت ليس مجرد نقد عابر، بل هو خلاصة تجربة متراكمة مع بعض الأعمال الدرامية التي تكرر أحداثها، ولا تتطور رغم تطور الأدوات.
هذا العام، هناك كاميرات عالية الدقة، وإمكانيات إنتاجية أفضل، وأعمال صُورت في عدة محافظات. لكن، مع كل هذا، يبدو أن الدراما اليمنية لا تزال تعاني من مشكلات أعمق تتعلق بالسيناريو، والحوار، والبناء الدرامي، وأحيانًا بالابتعاد عن المعالجة العميقة للقضايا التي تطرحها.
دراما مضت.. وبقيت حاضرة
كان مسلسل “همي همك” أحد أبرز الأعمال التي استطاعت أن تترك أثرًا في ذاكرة المشاهد اليمني. لم يكن مجرد مسلسل كوميدي يمر ثم يختفي، بل كانت شخصياته قريبة من الناس لدرجة أن المشاهد كان يشعر أنه يعرفها. كما أن كوميديته لم تكن مجرد ضحكات عابرة، بل كانت غطاءً لقضايا يعاني منها الناس.
ومن الأعمال التي حظيت بحضور قوي أيضًا، مسلسل “العالية”، الذي عُرض عام 2023 على قناة “يمن شباب” وقناة “العربي 2″، ليصبح أول مسلسل يمني يُعرض على شاشة عربية. العمل من إخراج وليد العلفي، وتأليف نور ناجي، وصُور في تعز بكاميرا سينمائية عالية الدقة، وتميز بدراما اجتماعية متماسكة تستعرض الصراع على السلطة والعلاقات الإنسانية في إطار ريفي.
تلك الأعمال، رغم اختلاف زمانها، استطاعت أن تقدم شيئًا افتقدناه في كثير من الأعمال اللاحقة: الصدق في الطرح، والقرب من الواقع، والبناء الدرامي المتكامل.
اليوم.. إمكانيات أفضل لكن محتوى يحتاج إلى وقت
اليوم، تغيرت الأمور. فالإمكانيات المتاحة أصبحت أفضل بكثير؛ الكاميرات أكثر دقة، والإضاءة أفضل، والميزانيات أكبر. لكن، مع كل هذا، يبدو أن الدراما اليمنية لم تستطع استثمار هذه الإمكانيات بالشكل الذي كان منتظرًا.
أحد الأسباب الجوهرية التي تُطرح باستمرار هو عامل الوقت؛ فالتصوير غالبًا ما يبدأ قبل رمضان بشهر أو شهرين فقط، وهي فترة غير كافية لتحقيق الجودة المطلوبة، خاصة أن الإخراج، والتمثيل، والمونتاج، تحتاج إلى وقت أطول للتجهيز، والبروفات، والمراجعة.
السيناريو في كثير من الأعمال يظل عالقًا في نقطة واحدة. تبدأ الحلقات الأولى بفكرة واعدة، لكن سرعان ما تبدأ الأحداث في الدوران في مكانها. يتكرر الصراع نفسه، وتُعاد المشاهد ذاتها، ولا يضيف الحوار جديدًا. ثم تأتي الحلقة الأخيرة لتحسم كل شيء فجأة.
أما الحوار، فلم يعد يترك أثرًا؛ فالجمل تمر سريعة، تُسمع وتُنسى.
دروب المرجلة.. بداية قوية ثم دوران في الدائرة المغلقة
من المسلسلات التي لفتت الانتباه هذا العام، مسلسل “دروب المرجلة” بجزئه الثالث. في بدايته، كان الجزء الأول من العمل لافتًا بالفعل، ونجح في جذب الجمهور بفضل فكرته الجديدة وشخصياته المقنعة، وتميز بالتصوير، والمونتاج، والموسيقى التصويرية التي أضفت عليه طابعًا مميزًا. كما حمل العمل رسائل قيمة حول الحرب وضحاياها، وجشع بعض أصحاب المصالح.
لكن، مع انتقال المسلسل إلى أجزاء لاحقة، بدأت تظهر مشكلة واضحة؛ إذ تدور الأحداث في دائرة مغلقة، وتميل المشاهد إلى الإثارة أكثر من خدمتها للقصة. ففي الجزء الثالث، يلاحظ المشاهد أن الصراع الرئيسي لم يتطور كثيرًا؛ فالشخصية الشريرة ما تزال تطارد البطل، والمطاردات تتكرر.
واللافت هذا العام ظهور مشاهد أكشن بدت مبالغًا فيها، وأحيانًا خارجة عن السياق. من أبرزها ظهور طفلة صغيرة تحمل سلاحًا وتشارك في مطاردات، وهو مشهد يبدو بعيدًا عن الواقع اليمني، ولا يضيف شيئًا إلى الحبكة الدرامية سوى محاولة صدم المشاهد.
كما ورد في قراءة نقدية للكاتبة لبنى القدسي: “رغم الإمكانات المرصودة، وقع العمل في فخ إطالة المشاهد التي أصابت المتابع بالفتور، رغم نبل القضايا التي طُرحت في هذا الجزء، مثل زواج الشغار، والمخدرات، وتجنيد الأطفال.” هذا النمط يجعل المشاهد يشعر أن المسلسل يمكن اختصاره في عدد أقل من الحلقات.
لصوص العمارة.. محاولة درامية مختلفة
على الجانب الآخر، جاء مسلسل “لصوص العمارة” ليقدم محاولة درامية مختلفة. العمل، الذي صُور في محافظة تعز، جمع نخبة من نجوم الدراما اليمنية مثل صلاح الوافي، وسالي حمادة، وآدم سيف. لم يكن مجرد كوميديا للضحك فقط، بل حاول ملامسة قضايا حقيقية، مثل الصراع على الأموال والنفوذ، وسرقة الفرص والحقوق.
لكن المشكلة التي واجهت العمل لم تكن في غياب القضايا، بل في طريقة تقديمها؛ فبحسب ما رصده نقاد ومتابعون، وقع المسلسل في فخ الإطالة الدرامية، وكان يمكن تقديمه في عدد أقل من الحلقات.
كما أثار المسلسل جدلًا واسعًا حول “مشهد العناق” بين البطلين، ما فجّر نقاشات حادة حول الحدود الفنية وأخلاقيات الصورة الذهنية للفنان اليمني. وفي هذا السياق، أوضح الفنان صلاح الوافي في تصريح له: “المشهد تم بتفاهم كامل بيني وبين المخرجة والفنانة سالي حمادة، ولم يكن فيه أي تجاوز. نحن نقدم عملًا فنيًا، والفن له لغته وأخلاقياته. اليد التي رأيتموها في المشهد كانت بعيدة تمامًا، ولم يكن هناك أي احتكاك جسدي خارج حدود الأداء التمثيلي الطبيعي”.
كما علّقت الفنانة سالي حمادة في منشور على إنستغرام: “الجدل حول المشهد مبالغ فيه. نحن نؤدي أدوارًا تمثيلية، والمشهد تم تنفيذه باحترافية، وبإشراف المخرجة التي حافظت على كل الحدود الفنية والأخلاقية. العمل الفني رسالة، ولا يجب أن نحكم عليه من مشهد واحد”.
أما المخرجة منال الصيادي فأوضحت، في لقاء تلفزيوني على قناة يمن شباب: “أنا امرأة يمنية محافظة، وأحرص على أن يكون كل مشهد ضمن الحدود التي تليق بمجتمعنا. مشهد العناق كان ضمن سياق درامي يستدعيه الموقف، وتم التصوير بطريقة تحافظ على المسافة المطلوبة. من يهاجم دون أن يشاهد السياق الكامل للعمل، يحكم مسبقًا”.
ويرى بعض النقاد والمتابعين أن تصوير الحياة داخل البيت بالعباءة هو صورة مصطنعة لا تشبه المجتمع، مشيرين إلى أن الإصرار على إبقاء الممثلة بالعباءة داخل المنزل يقيد الأداء التمثيلي ويبتعد عن الواقعية.
في المقابل، أرى أن العباءة أو الجلابية والمقارم ليست عائقًا أمام الإبداع، بل هي جزء من هويتنا وأصالة مجتمعنا المحافظ. فتصوير المرأة في بيتها بالعباءة لا ينتقص من الأداء التمثيلي، بل يعكس واقع كثير من الأسر اليمنية. الفن الحقيقي لا يُقاس بخلع الزي التقليدي، بل بقدرته على تقديم قضايا عميقة بصدق، والعباءة لم تمنع يومًا ممثلة متميزة من أداء دورها بإتقان.
أما فيما يتعلق بالتصوير، فقد لاحظ بعض المتابعين أن الإضاءة في بعض المشاهد الداخلية لم تكن منسجمة بالشكل الكافي، مما أثر جزئيًا على التجربة البصرية.
مدرسة المشاغلين.. كوميديا هادفة وطرح واقعي
من الأعمال الكوميدية التي حظيت بمتابعة واسعة هذا العام، مسلسل “مدرسة المشاغلين”. العمل، الذي صُور في محافظة تعز، تدور أحداثه داخل مدرسة ثانوية حكومية، ويسلط الضوء على يوميات مجموعة من الطلاب المشاغبين.
استطاع المسلسل أن يحقق حضورًا لافتًا، حيث تجاوزت نسب المشاهدة على قناة يمن شباب ومنصات التواصل الاجتماعي توقعات كثيرين، مما يعكس أن الجمهور اليمني لا يزال متعطشًا للدراما المحلية رغم التحديات. كما لفت العمل الأنظار بتقديمه وجوهًا شابة خرجت من فضاءات التواصل الرقمي، لكنها دخلت الدراما بحس فني ناضج، مما يبشر بجيل جديد من المواهب.
من أبرز إيجابيات العمل أنه نجح في تقديم قضايا مهمة، مثل واقع التعليم في ظل الفوضى الإدارية، وانعدام الإمكانيات، ومعاناة المعلمين، واستغلال بعض التجار لهشاشة التعليم الحكومي، والعنف المدرسي، والفساد الإداري. وقد قُدمت هذه القضايا في قالب كوميدي خفيف، دون وعظ مباشر، ما جعله قريبًا من المشاهدين.
لكن العمل لم يسلم من بعض الملاحظات؛ من أبرزها ضغط وقت التصوير، الذي انعكس سلبًا على بعض التفاصيل الفنية. ففي بعض المشاهد، بدت الإضاءة غير منسجمة، كما ظهرت أخطاء بسيطة في المونتاج، وكان يمكن تجاوزها لو توفر وقت أطول للمراجعة. كذلك، بدت بعض المشاهد طويلة أكثر من اللازم.
أما فيما يتعلق بقضية ترويج المخدرات داخل البيئة المدرسية، فقد طُرحت دون معالجة درامية مكتملة؛ إذ لم يتم تتبع جذور المشكلة أو تقديم حلول مقنعة. ولو تم التوسع في تقديم معالجات واقعية، لكان العمل أكثر نضجًا.
الضايعة.. نموذج يُحتذى
وسط هذه الإشكاليات، يظهر مسلسل “الضايعة” كنموذج مختلف. العمل، الذي صُور أيضًا في تعز، استطاع أن يقدم دراما متماسكة من مختلف النواحي، ونال إشادة واسعة من النقاد والجمهور.
كما ورد في قراءة نقدية للكاتبة لبنى القدسي: “استطاع المخرج ياسر الظاهري تقديم عمل فني متميز بجدارة، أثبت من خلاله قدرتنا على المنافسة العربية، بدءًا من زوايا التصوير المبتكرة، وصولًا إلى واقعية الأحداث”.
ما لفت نظري شخصيًا في هذا العمل هو ذلك المشهد الذي جسد فيه الفنان عبدالله يحيى إبراهيم حالة إنسانية عميقة، معتمدًا على الأداء الصامت، حيث نقل مشاعر القهر دون حاجة إلى حوار مطول.
كما نجح العمل في تناول قضايا اجتماعية متعددة، مثل الفوارق الطبقية وتجربة اليُتم، بطريقة إنسانية مؤثرة، ما جعله يحظى بتفاعل واسع.
إشكاليات الطرح وغياب التكامل
اللافت هذا العام أن عددًا من الأعمال تناول قضايا مهمة، لكنه اكتفى بعرضها دون تقديم معالجة درامية متكاملة. فطرح القضية وحده لا يكفي، بل يجب أن يتبعه بناء درامي يلامس الأسباب ويقدم رؤية.
نحو دراما أكثر نضجًا
للخروج من هذه الدائرة، تحتاج الدراما اليمنية إلى التعاون مع المتخصصين، والاستثمار في الكتّاب، ومنحهم الوقت الكافي للتحضير. كما ينبغي التعامل مع الإنتاج الدرامي بوصفه مشروعًا ثقافيًا، لا مجرد منتج موسمي.
إذا كانت الإمكانيات اليوم أفضل مما كانت عليه، وإذا كانت المواهب موجودة، وإذا كان هناك نماذج ناجحة مثل “الضايعة”، فلماذا لا تزال كثير من الأعمال تدور في الدائرة نفسها؟
ربما الإجابة تحتاج إلى وقفة جادة… لعل العام القادم يكون مختلفًا.
الدراما اليمنية اليوم.. إلى أين تتجه؟ ماريا القرشي

