تسنيم عادل
في سباق الدراما الرمضانية، لا يكفي أن يكون العمل جيدا ليحقق الانتشار، بل بات لزامًا عليه أن يكون تريندًا.
هذا التحول في معادلة النجاح هو ما يضع صناع الدراما اليمنية أمام اختبار حقيقي: هل يظل الفن وفياً لمهمته في معالجة القضايا بعمق، أم يتحول إلى مجرد مادة سريعة الاستهلاك تصطاد التفاعلات ؟ مسلسل الزوجة السابعة الذي عرض على قناة السعيدة في رمضان 2026، تعدى من كونه مجرد عمل درامي عابر، وتحول إلى ظاهرة كاشفة عن أزمة هوية تعيشها الدراما اليمنية حيث التبس فيها النقد الاجتماعي بالاستعراض الكاريكاتوري، وتاهت فيها معالجة القضية خلف البحث عن الترند.
المحتوى بين الكوميديا والمبالغة
اندرج المسلسل ضمن فئة الكوميديا التي تعتمد بشكل كبير على المبالغة كأداة أساسية لتناول قضايا اجتماعية حساسة، بصياغة محلية صرفة تهدف إلى جذب المشاهد اليمني من خلال اللهجة والبيئة القريبة إليه.
ركز العمل بشكل رئيس على إشكالية فشل الزوجات الناتجة عن معايير سطحية يبحث عنها الزوج، مثل الدلال أو الجمال المجرد، كما سلط الضوء على أنماط سلبية في العلاقات الزوجية، من قبيل المادية المفرطة، وسعي بعض الزوجات للسيطرة، أو إهمال المسؤوليات الأسرية لصالح المظاهر الشخصية.
لكن المشكلة لم تكن في تناول هذه القضايا بحد ذاتها، بل في الطريقة التي تم تقديمها بها. فالمبالغة هنا لم تكتفي أن في الإضافة الكوميدية، إنما تحولت إلى إسقاط نمطي اختزل دور المرأة اليمنية في صراع مع الرجل بتدللها الزائد ، بوصفهما العتبة الأبرز للخلل العلائقي، طغت النمطية السطحية إلى وصلت إلى مستوى استعراضي مستفز، هذا التبسيط المفرط جعل الكثير من المشاهدين يشعرون بأن العمل لم يكن مهتمًا بقراءة الظواهر الاجتماعية بوعي نقدي، بقدر ما كان حريصًا على تقديم مشاهد سريعة الاستهلاك، تصلح للتداول الرقمي قبل أن تصلح للنقاش الجاد.
الرهان على الجدل
لم تكتفِ قناة السعيدة بعرض المحتوى الدرامي، بل ركزت في استراتيجيتها الترويجية بشكل لافت على المشاهد الأكثر قدرة على استقطاب الجدل.
عبارة واحدة كانت كافية لتصنع ضجة،”ويكي ويكي”جملية بسيطة أطلقتها الفنانة راوية عمر في مشهد بالمسلسل “الزوجة السابعة”…………..تحولت إلى بسرعة إلى أيقونة للجدل الدائر حول العمل، وإلى مادة دعائية أساسية ضاعفت من حضور المسلسل على منصات التواصل.
هنا تظهر الإشكالية الأكبر في كيفية إدارة القناة لسمعة العمل. فبدلًا من أن تتعامل مع الجدل بحساسية المهنة، انجرفت خلف زيادة الانتشار وتوسعة الاستقطاب على مواقع التواصل الاجتماعيبهدف زيادة التفاعل الرقمي، ما كان يمكن أن يظل نقاشًا عرضيًا حول عمل درامي، تحول إلى حملة ممنهجة لصيد اللايكات والمشاهدات، على حساب الرصانة المهنية التي طالما ارتبطت باسم قناة السعيدة، التي كبر المجتمع على سعادة محتواها وطابعها البعيد المنفرد، ولم يكن المشاهد يسأل يومًا هل هو أمام عمل درامي يستحق النقاش، أم أمام محتوى أُنتج ليكون تريند أكثر من كونه فن.
انقسام الجمهور
انقسمت ردود فعل الجمهور بشكل حاد بين شريحتين واضحتين. ففي الجانب الأول، استمتع قطاع من الشباب بالصورة البصرية الأنيقة والإخراج الحديث الذي قدمه وليد العلفي، واعتبروا أن المسلسل يمثل نقلة نوعية في شكل الدراما اليمنية.
أما في الجانب الآخر، فقد شن قطاع واسع من الجمهور المحافظ هجومًا كاسحًا، معتبرًا أن الدراما اليمنية انزلقت نحو مستوى لا يليق بقيم المجتمع، واصفين العمل بأنه “دخيل” على العادات والتقاليد المحلية.
بحسب رصد التفاعلات على مواقع التواصل ، يتضح أن المسلسل حصد كثافة مشاهدة عالية، لكنه أخفق في تحقيق الرضا النوعي لدى شريحة كبيرة من المشاهدين.
لكن اللافت أن النقاش لم يقف عند حدود هل المسلسل خالف العادات أم لا؟ ، بل امتد إلى نقد أكثر عمقًا يتعلق بطريقة التناول نفسها. فكيف يمكن معالجة قضية التعدد، وهي واقع قانوني واجتماعي في المجتمع اليمني، في قالب من السخرية المفرطة؟ وهل يمكن اختزال قضايا الأسرة اليمنية المعقدة في صراعات الدلع والسطوة؟
هذه أسئلة كثيرة تجاوزت حدود الرفض الأخلاقي إلى نقاش منهجي حول أدوات الدراما وحدودها.
السقوط في فخ الخوارزميات
تجلت الإشكالية الأكبر في كيفية إدارة قناة السعيدة لسمعة العمل على المنصات الرقمية. فبدلًا من أن تتعامل القناة مع الجدل بحساسية المهنة وتحافظ على الرصانة التي بنت بها صورتها الذهنية على مدار سنوات، انخرطت المنصات الرسمية في استراتيجية “تغذية الاستقطاب” بهدف زيادة التفاعل الرقمي.تمثلت هذه الاستراتيجية في التركيز على المقاطع الترويجية الأكثر إثارة للجدل، والاعتماد على عبارات مثل “ويكي ويكي” كمادة دعائية أساسية، متجاهلة أن هذا الأسلوب قد يؤدي إلى اهتزاز الصورة الذهنية للقناة نفسها.
وهكذا ارتبط اسم قناة “السعيدة” في ذاكرة عام 2026 بـ “صيد اللايكات” أكثر من ارتباطه بجودة المحتوى الدرامي أو عمق الطرح الفني. إنه سقوط في فخ الخوارزميات التي تكافئ الصاخب وتعاقب الهادئ، وتدفع منصات الإنتاج نحو المزيد من الاستقطاب بدلًا من التفكير في بناء صورة مستدامة.
بين ربح الأرقام وخسارة الصورة
في المحصلة النهائية، وقع مسلسل الزوجة السابعة في فخ التوظيف العاطفي اللحظي. فقد نجح العمل في بناء شهرة واسعة ومشاهدات قياسية، لكنه فشل في بناء صورة ذهنية إيجابية مستدامة سواء لنفسه أو للقناة. اعتمدت الحملة التسويقية على جذب المشاهد بعناوين براقة ومقاطع مستفزة، مما حول المسلسل من عمل درامي يثير النقاش إلى سخرية واسعة وترند لحظي.
لقد ربحت القناة معركة المشاهدات بالأرقام، لكنها خسرت في نظر الكثيرين معركة المصداقية المهنية والحصانة المعرفية أمام انتشار واسع .
وتبقى العبرة التي تفرض نفسها على صنّاع الدراما اليمنية، أن لا يستمر الرهان على الأرقام السريعة على حساب الهوية والرصانة،وأن يُبنى على التوازن بين جمهور المشاهدات وجمهور القيمة.

