أمل الدعيس – باحثة في الإعلام والعلاقات العامة
في موسم رمضان 2026، قرر بنك الكريمي كسر القواعد التقليدية للإنتاج الإعلاني، مستبدلاً عدسات الكاميرا بخوارزميات الذكاء الاصطناعي.
لم يكن إعلاناً عابراً بقدر ما كان “بياناً رقمياً” أثار انقساماً مهنياً بين الإعجاب بالابتكار والتحفظ على المصداقية الشعورية.
وبين الضجة التقنية والتجربة الواقعية، يبرز السؤال الأهم: هل نجح الرهان في بناء سمعة رقمية مستدامة أم كشف فجوة بين الصورة والواقع؟
السمعة الرقمية: ترند الريادة أم اختبار التجربة؟
نجحت الحملة في خلق ضجة رقمية واسعة وتحويل الإعلان إلى حدث تقني لافت. انتقل الحديث من الخدمات المصرفية إلى جرأة التبني التقني، وهو ما عزز صورة المؤسسة كمواكِبة للتحول الرقمي. هذه “الصدمة الإيجابية” تمثل مكسباً واضحاً في إدارة السمعة.
لكن السمعة الرقمية لا تُقاس بالتفاعل وحده؛ فبالتوازي مع الضجة، برزت شكاوى متكررة من تعطل التطبيق في أوقات الذروة، ما خلق فجوة بين الوعود الإعلانية المثالية والتجربة الفعلية للمستخدم.
هنا يتحول النجاح الاتصالي إلى اختبار حقيقي لإدارة اتصالات الأزمة. كما أن اعتماد الردود الآلية والمقولبة في المنصات الرقمية أضعف الإحساس بالتفاعل البشري، وأظهر اختلالاً في التوازن بين الاستثمار في الإنتاج البصري والجودة التقنية لخدمة العملاء
معضلة الأنسنة: هل للذكاء الاصطناعي ملامح يمنية؟
الإبهار البصري كان واضحاً، ومحاولات توطين التقنية ساهمت في الحفاظ على الهوية البصرية. ومع ذلك، بقيت “فجوة المشاعر” حاضرة. ويتجلى هذا الارتباك المشهدي بوضوح في إعلان “حبال الوصل”؛ فبينما نجح البنك في توظيف رمزية “الحبل السري” لربط المغترب بأهله في لقطات فلسفية باهرة، إلا أن الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي في تمثيل مشاعر “الأم” و”العروس” أوجد تبايناً ملموساً.
إن الدعاء الصادق الذي تضمنه الإعلان: “الله يعزك مثل المطر”، كان يحتاج إلى ملامح بشرية حقيقية تتفاعل مع حرارة الكلمات، لا إلى وجوه رقمية “مثالية” تفتقر إلى الرجفة الإنسانية الصادقة، مما يجعل الرسالة العاطفية تقف عند حدود الإبهار البصري دون أن تتوغل في عمق الوجدان. التحدي هنا ليس في استخدام التقنية، بل في منعها من التحول إلى عنصر يضعف مصداقية العاطفة.
المؤثرون بين الوصول والموثوقية
اعتمدت الحملة على توظيف مؤثرين للوصول إلى الجيل الرقمي، لكن هذا التوظيف افتقر إلى “الموثوقية” (Authenticity). بدا المحتوى في حالات عديدة وكأنه إعلان مقروء خارج سياق المحتوى الطبيعي للمؤثرين، ما حوّل الشراكات إلى ترويج يعتمد على الوصول دون بناء وعي مالي أو علاقة ثقة طويلة المدى.
فخ التوظيف العاطفي: تأثير موسمي أم ولاء مستدام
استندت الرسالة بشكل مكثف إلى الاستمالات العاطفية المرتبطة بحنين المغتربين وأجواء العيد. هذا التكتيك نجح في خلق تفاعل واسع، لكنه يظل رهين اللحظة الزمنية. في قطاع مصرفي يقوم على الثقة، يحتاج بناء الصورة الذهنية إلى رسائل ترسخ الاعتمادية والابتكار، لا إلى العزف على وتر الألم والغياب الموسمي وحده.
فخ “الاسترخاص” أم ذكاء الاستثمار
أثار استخدام الذكاء الاصطناعي نقاشاً حول ما إذا كان توجهاً استثمارياً ذكياً أم محاولة لتقليل تكاليف الإنتاج التقليدي. هذا الجدل يمثل سلاحاً ذا حدين؛ فبينما يُنظر إليه ككفاءة مالية، يرى النقاد أنه قد يهدد عنصر الموثوقية إذا لم يتوازن مع التجربة الإنسانية الحقيقية والخدمة الواقعية الملموسة
الخلاصة
الحملة نجحت في صناعة حضور رقمي قوي، لكنها كشفت عن فجوة بين “الصورة المتخيلة” و”التجربة الواقعية” للعميل. نجاح العلاقات العامة لا يتحقق بإعلان ناجح فقط، بل ببناء سمعة متماسكة تصمد أمام الأزمات التقنية وتحوّل التفاعل اللحظي إلى ثقة طويلة المدى.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع قوة الخوارزميات دعم الولاء المصرفي، أم ستظل الثقة رهينة التجربة الإنسانية أولاً؟

