أماني صادق مرشد
مع إطلالة شهر رمضان لعام 2026، عاد المسلسل البدوي «دروب المرجلة» في جزئه الثالث ليحجز موقعه المعتاد على شاشة قناة السعيدة، مستندًا إلى رصيد جماهيري بناه خلال موسمين سابقين.
هذا العمل، الذي يسعى إلى ملامسة وجدان المشاهد اليمني عبر بوابة القيم والشهامة، يجد نفسه اليوم أمام اختبار حقيقي؛ إذ لم يعد النجاح السابق كافيًا لضمان الاستمرار، بل بات التطور شرطًا أساسيًا للبقاء في دائرة التأثير
نجاح الأعمال الممتدة لا يُقاس بقدرتها على الاستمرار فحسب، بل بمدى قدرتها على التجدد. وهنا تبرز الإشكالية المحورية: هل استطاع المخرج وليد العلفي وفريق العمل تجاوز عثرات الأجزاء السابقة، أم أن العمل وقع في فخ النمطية، حيث تتحول الكوميديا إلى غطاء يخفي ضعف الحبكة والإخراج؟
السرد والحبكة الدرامية
على مستوى البناء الدرامي، استند الجزء الثالث بشكل واضح إلى إرث الأجزاء السابقة دون محاولة جادة لكسر القالب التقليدي. تعتمد الحلقات على صراعات يومية داخل العائلة أو بين القبائل، مصحوبة بلمسات كوميدية، وهي صيغة نجحت سابقًا في جذب الجمهور، لكنها بدأت تفقد بريقها مع التكرار.
عدد من المتابعين أشاروا إلى أن الأحداث بدت معادة، مع إعادة تدوير للصراعات والشخصيات دون تطوير حقيقي. كما برزت أنماط سردية متوقعة، مثل الشك الدائم في شخصية “مقناص”، الذي تحول إلى عنصر ثابت يفتقر إلى التجديد، مما أضعف عنصر التشويق.
كذلك، بدت نهايات بعض الحلقات سريعة ومختصرة، تفتقر إلى تصاعد درامي متماسك، الأمر الذي أثر على ترابط العمل ككل.
في المقابل، نجح المسلسل في تقديم لحظات كوميدية خفيفة أضفت طابعًا ترفيهيًا، إلا أن الإفراط في توظيف الكوميديا جاء أحيانًا على حساب العمق الدرامي، فظهر العمل وكأنه يميل إلى الإضحاك أكثر من بناء قصة مركبة ذات أبعاد إنسانية.
الأداء التمثيلي واللهجة
قدّم طاقم التمثيل جهدًا ملحوظًا في تجسيد البيئة البدوية، مع حضور واضح للروح المحلية. غير أن الأداء جاء متفاوتًا؛ إذ رأى بعض المشاهدين أن بعض الشخصيات اتسمت بالمبالغة، خاصة في التعبير اللغوي والسلوكي، ما أفقدها جزءًا من مصداقيتها.
في المقابل، برزت شخصيات أخرى بأداء أكثر تماسكًا، خاصة تلك التي نجحت في نقل ملامح الشخصية البدوية بواقعية نسبية.
ومع ذلك، تبقى مسألة إتقان اللهجات إحدى النقاط التي تحتاج إلى تطوير، حيث بدا التفاوت واضحًا في مستوى الانسجام اللغوي بين الشخصيات، وهو ما يؤثر على الإقناع الدرامي.
الجوانب التقنية والجمالية
من الناحية الفنية، يعكس العمل محدودية الإمكانيات الإنتاجية. فقد ظهرت بعض المشاهد بإضاءة ضعيفة وجودة تصوير متوسطة، ما أثر على جاذبية الصورة البصرية.
كما لوحظ ضعف في تصميم الديكور، وظهور عناصر حديثة لا تنسجم مع البيئة الزمنية المفترضة، الأمر الذي أضعف الإيهام الدرامي.
إحدى أبرز الإشكاليات تمثلت في مواقع التصوير؛ إذ لم تعكس العديد من المشاهد البيئة الصحراوية التي يفترض أن يحتضنها العمل، بل ظهرت في سياقات ريفية أو جبلية، ما خلق فجوة بين هوية العمل ومظهره البصري.
هذه الملاحظة تطرح ضرورة إعادة النظر في اختيار مواقع التصوير بما يخدم مصداقية السرد.
القضايا الثقافية والاجتماعية في دروب المرجلة
رغم طابعه الكوميدي، أثار المسلسل جدلًا مجتمعيًا، خاصة فيما يتعلق بتناول بعض القضايا الحساسة.
فقد اعتبر بعض المشاهدين أن بعض المشاهد خرجت عن الذوق العام، سواء من حيث الطرح أو المعالجة، بينما رأى آخرون أن العمل لم يراعِ بعض الأعراف الاجتماعية المرتبطة بالبيئة البدوية.
كما امتد الجدل إلى المواد الترويجية، التي وُصفت أحيانًا بالمبالغ فيها، ما يعكس تحديًا إضافيًا يتمثل في كيفية التوازن بين التسويق الجاذب واحترام حساسية الجمهور.
تفاعل الجمهور
شهدت المنصات الاجتماعية تباينًا واضحًا في ردود الفعل. فبينما رأى البعض أن المسلسل يقدم محتوى ترفيهيًا مناسبًا لأجواء رمضان، اعتبر آخرون أنه لم يرتقِ إلى مستوى التوقعات، بسبب التكرار وضعف التطوير.
هذا التباين يعكس وجود شريحتين من الجمهور: الأولى تبحث عن الترفيه الخفيف، والثانية تتطلع إلى محتوى أكثر نضجًا وابتكارًا. كما يشير إلى تنامي دور الجمهور كفاعل نقدي يراقب ويقيّم جودة الإنتاج المحلي.
محصلة التجربة وتحديات المستقبليظل «دروب المرجلة» تجربة لافتة في سياق الدراما اليمنية، خاصة من حيث قدرته على جذب الجمهور وتقديم مضامين مستمدة من البيئة المحلية. غير أن الجزء الثالث كشف عن تحديات جوهرية، أبرزها الحاجة إلى تطوير الكتابة الدرامية، وتجنب التكرار، والعمل على بناء شخصيات أكثر عمقًا.فنيًا، يتطلب العمل تحسين جودة الإخراج، من حيث التصوير والإضاءة، والاهتمام بتفاصيل الديكور والمواقع بما يعزز المصداقية البصرية.
كما ينبغي التعامل بحذر مع القضايا الحساسة، بما يحقق التوازن بين الجرأة الفنية واحترام القيم المجتمعية.
في المحصلة، تكشف هذه التجربة عن فرصة حقيقية لتطوير الدراما اليمنية، خاصة في ظل وجود جمهور متفاعل وواعٍ. إن استثمار هذا التفاعل، وتحويل الملاحظات النقدية إلى أدوات تحسين، قد يشكل خطوة مهمة نحو إنتاج أعمال أكثر نضجًا، تعكس ثراء الهوية الثقافية وتلبي تطلعات المشاهد.

